ابن كثير

199

البداية والنهاية

أحمد بن الرشيد ( 1 ) كان زاهدا عابدا قد تنسك ، وكان لا يأكل إلا من عمل يده في الطين ، كان يعمل فاعلا فيه ، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي مجرفة وقفة - وكان يعمل في كل جمعة بدرهم ودانق يتقوت بهما من الجمعة إلى الجمعة ، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط . ثم يقبل على العبادة بقية أيام الجمعة . وكان من زبيدة في قول بعضهم ، والصحيح أنه من امرأة كان الرشيد قد أحبها فتزوجها فحملت منه بهذا الغلام ، ثم إن الرشيد أرسلها إلى البصرة وأعطاها خاتما من يا قوت أحمر ، وأشياء نفيسة ، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه . فلما صارت الخلافة إليه لم تأته ولا ولدها ، بل اختفيا ، وبلغه أنهما ماتا ، ولم يكن الامر كذلك ، وفحص عنهما فلم يطلع لهما على خبر ، فكان هذا الشاب يعمل بيده ويأكل من كدها ، ثم رجع إلى بغداد ، وكان يعمل في الطين ويأكل مدة زمانية . هذا وهو ابن أمير المؤمنين ، ولا يذكر للناس من هو إلى أن اتفق مرضه في دار كان يستعمله في الطين فمرضه عنده ، فلما احتضر أخرج الخاتم وقال لصاحب المنزل : اذهب بهذا إلى الرشيد وقل له : صاحب هذا الخاتم يقول لك : إياك أن تموت في سكرتك هذه فتندم حيث لا ينفع نادما ندمه ، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين ، وأن يكون آخر العهد بك ، فإن ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك ، وسيصير إلى غيرك وقد بلغك أخبار من مضى . قال : فلما مات دفنته وطلبت الحضور عند الخليفة ، فلما أوقفت بين يديه قال : ما حاجتك ؟ قلت : هذا الخاتم دفعه إلي رجل وأمرني أن أدفعه إليك ، وأوصاني بكلام أقوله لك ، فلما نظر الخاتم عرفه فقال : ويحك وأين صاحب هذا الخاتم ؟ قال فقلت : مات يا أمير المؤمنين . ثم ذكرت الكلام الذي أوصاني به ، وذكرت له أنه كان يعمل بالفاعل في كل جمعة يوم بدرهم وأربع دوانيق ، أو بدرهم ودانق ، يتقوت به سائر الجمعة ، ثم يقبل على العبادة . قال : فلما سمع هذا الكلام قام فضرب بنفسه الأرض وجعل يتمرغ ويتقلب ظهرا لبطن ويقول : والله لقد نصحتني يا بني ، ثم بكي ، ثم رفع رأسه إلى الرجل وقال : أتعرف قبره ؟ قلت : نعم أنا دفنته . قال : إذا كان العشى فائتني . قال : فأتيته فذهب إلى قبره فلم يزل يبكي عنده حتى أصبح ، ثم أمر لذلك الرجل بعشرة آلاف درهم . وكتب له ولعياله رزقا . وفيها مات : عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام ، القرشي الأسدي ، والد بكار . ألزمه الرشيد بولاية المدينة فقبلها بشروط عدل اشترطها ، فأجابه إلى ذلك ، ثم أضاف إليه نيابة اليمن ، فكان من أعدل الولاة ، وكان عمره يوم تولى نحوا من سبعين سنة .

--> ( 1 ) لم يذكر الطبري ولا ابن الأثير في جملة من ذكراه من أولاده .